كانَ يومًا شاقًا، ما زلت أذكره.. اذكر تفاصيله جيدًا قَبل أن أُمنح الراحة للأبد، كنت في مزاج سيء.. كالعادة تقوّس فمي لم يظهِر حاجتي الماسَة للرّاحة!
على مكتبِي تحديدًا حين كُنت جالسًا ماثلًا أمام طاولتي الخشبية المهترئة والمُثقلة بأوراق عملي كانت أحنّ عليّ منهم أظن بأنها ربّتت علي جيدًا حين تحمّلت ثقل نصفي العلوي عليها ايضًا .
كان رأسي مُطأطَأً بين يداي المُتكئة على طاولتي الحنونة في حالة مُزرية تنُم عن يوم شاق .
باغتني عقلِي بفكرة لم تبدو سيئة للوهلة الأولى حيث منحني تفكيره فكرة أخذ قسط من الراحة وطلب إجازة !
سارعت بلملمت أوراقي المُبعثرة لتقديمها لصديقي المُدير حيث كانَ يُشاركني هذا المكتب القذر والمتواضع قبل عدّة اسابيع، لم أظنّ يومًا أن هذا الأحمق المُهمل صاحب الأعمال المنتهية بالقمامة أن يجلس في مكتَب مُرفهًا ليستطيع تأدية واجبات أكثر أهمية لشركتنا.. كان الكُل يجزِم بإستحقاقي الجلوس في ذلك المكتَب الذي اتقزز منه ولم أعني بإنتظامي بعملي طلب الجلوس على طاولة فيه على مقعد مُريح ايضًا !
قلتُ في نفسي " سأستغل فرصة الذهاب لمكتبه وتقديم هذه الأوراق له بتقديم طلب إجازة، كما أن صداقتي معه ستمنحني فرصة أكبر لقبولها "
انتهت ساعات عملي بإنتهائي من لملمة أوراقي على المكتب، أغلقت باب مكتبي بهدوء، خطواتي لم تكُن ملتهفة للدخول لتلك الغرفة ذات الجدران المُزخرفة والتِي يستقر فِي آخرها طاولة فخمَة منحوت إسم صديقي على لافتة تعلوها بالمقدمة .
طرقت الباب ..
- تفضل
فتحت الباب دون أن يُصدر صوت صرير كالذي اسمعه فِي مكتبي، كان ظهر الكُرسي كالعادة هو من يواجهني حين أتقدم للطاولة، دار الكُرسي نحوي كان جالسًا عليه هذا الأحمق واضعًا رأسه عليه مسترخيًا !!
بادرت بالحديث..
- يوم شاق لك الحق بالجلوس مسترخيًا هكذا !
اجابني مباهيًا كعادته بمكتبه..
- بل الرّفاهية هِي من حملتني لهذه الوضعية الجديدة .
ابتسمت، وضعت أوراقي على المكتب..
- لِي حق الجلوس والحديث قليلًا لصديقي القديم الذِي يأخذ قسطًا من الراحة اذًا !
- بالطبع تفضّل .
جلستُ على احد الكراسي الذي تتقدم طاولته بتنهيدة تحكي مدى سوء يومي، وبعد حديث قصير عن أحوالنا افتتحت موضوعي ..
- عهِدتني مخلصًا دومًا ومثابرًا، مجتهدًا في عملِي، وبعد هذه الفترة الشاقة أظن بأنّي في حاجة لأخذ قسط من الراحة في منزلي ليس في مكتبِي .
إبتسامة طفيفة وأجابني :
- إدمان الفتى السيء والمُستغل لصداقتنا والذِي تستفزني مثابرته واجتهاده يطلُب إجازة! هل أقتربت نهاية العالم أم ماذا ؟
- بل مللت والإرهاق ناقش عقلي بهذه القضية !
بإزدراء قال لي :
- يا كسول هل مللت من العمل ؟
فأجبته مازحًا..
- لم أعهد أن أسمع هذا الحديث منك، خصوصًا وأن معظم أوراقك سكنت القمامة، وطاولتك القديمة اشتاقت لرأسك النائم عليها دومًا .
لم أكن أظن بأنه يحمل حقدًا علي قبل هذا اليوم .. قبل إجابته :
- ماذا تعني ؟
- لا شيء !!
- أنت خائف منّي اذًا ؟
- ههههه لا أظن أن الأصدقاء مرعبون .
- ولكنّ حديثك يتهمني بالإهمال ؟
- أنا لا أظن أنك تنكر ذلك أصلًا !!
إبتسم بخبث ورفع يديه مُشيرًا لمكتبه وقال :
- أنا مُهمل ؟ كيف ذلك وأنا الآن فِي هذا المكتب وفي هذه المنزِلة بينما أنت لا تزال فِي مكانك القذر !
لم تبدو محاولة إستفزازه واضحة في تقاسيم وجهي، أجبت ضاحكًا :
- عليك أن تَشكر خالك الذِي منحك هذه الترقية بدلًا مني، كما لا تنسى أن تشكر الإله قبل ذلك .
وقع في نفسه حديثي، وكان جليًا في اصفرار وجهه أنه وقع في تِيه الكلام .
سكت لبرهة ثم قال محاولًا إذلالي :
- كيف تقول لسيدك هذا الكلام ؟
- عفوًا !! سيدي ؟ هههههه يا صديقي هذا الحديث لا يليق بأعمارنا، دع عنك العودة لأيام الطفولة !
- وتشتمني في مكتبي !
- ما عاذ الله يا صديقي .
- اذًا إلى ما ترمي ؟
- إلى حقّي في الراحة التِي تطلُب منك إذنًا !
بإبتسامة خبيثة قال :
- ايها الحقير، اذًا أنت في حاجتي الآن .
بازدراء قلت :
- حتى الأحمق يستطيع أن يعي ذلك منذ بداية حديثي معك ؟
في محاولة يائسة منه لإسقاط كرامتي قال بتبجّح :
- امممم يا ذليل، أنت في حاجتي، إنتظر سيدك قليلًا ليفكّر في الموضوع .
- لا بأس خُذ وقتَك حاجاتنا دومًا تذهب بنا إلى الأماكن القذرة .
- ماذا تعنِي ؟
أجبت مُشيرًا بإصبعي لما في مكتبه :
- أعني مكتبك هذا، جلوسك المُرفّه هُنا وبجاحتك، هذه الطاولة، الجدران المزخرفة، قلمك المُذهب، كرسيك الدوّار، سكرتيرك الأحمق.. كل هذه القذارة ؟
صُب الغضب من قلبه إلى فمه :
- يا أحمق، وهل هذه قذارة ؟ وهل هذا حديث عبد لسيده ؟ ألست في حاجتي ؟
- اممم أظن ذلك يا صديقي، نعم انا في حاجتك فعلًا، وكما قلت لك حاجتي تذهب بي دومًا إلى الأماكن القذرة، أتت بي حاجتي لك كما ذهبت بي حاجتِي للتبوّل إلى المرحاض، لأسقيه بأسلوب مُبتذل ويمنحني الراحة !
كان هذا آخر ما قِيل في حديثنا، قبل أن يوقّع صديقي على إجازتي للأبد، على ورقة طردي.. كان حديثي معه مؤثرًا فيه إلى الحد الذِي أكتشفه اصدقائي بتوقيعه على ورقة طردي بقلمه المذهّب حيث يُظهر التوقيع آثار ضغطه بقوة على الورقة والتِي كان شغلي الشاغل حينها أن لا تتمزّق وأبقى حبيسهم دون راحة !
إدمان .. تويتر : @edma7z
إدمان .. تويتر : @edma7z