السبت، 13 سبتمبر 2014

رذائلنا الفضيلة

مرحبا يا صديقي، أنّي هنا أقف على شاهدة قبرك، وهي لا تحمل من ثرثرتك شيئًا.. كيف هو جارك الجديد؟ هل يجدك ثرثارًا كما أعتقد أنا؟ وهل عليّ أن أرثيك الآن وأحتضن ترابك؟ أم عليّ أن أخبرك بأحداث يومي مباشرةً كالعادة، ولأول مرة دون أن تقاطع حديثي ؟
لا بأس، أنا لا أفتقد الكثير منك، وسادتي مليئة بأحاديثك، ترهاتك وأفكارك البلهاء، ولست بحاجة إلى أن أصافحك فلم يمرّ وقتٌ طويل على فراقنا، فلقد إلتقيت بك قبل ساعات في حلمي و حدثتني عن فتاة، أو حوريّة كما تعتقد دومًا حين تصادف فتاة في طريقك !

** 

أريد أن أخبرك أنّي لم أتغيّر مثلك، أكف عن البحث كما كففت أنت عن الثرثرة، وما زال دليل ذلك موسومًا بإنحناء ظهري لبحثي الطويل والشاق لفاضئلي، وما زلت أعتقد أنّ الفضائل ساقطة، كلها ساقطة، وإنّك تعلم أنّي لا أقول ذلك بداعي شتمها، بل حزنًا لكونها مهملة، غير مُكترث بها في عالم كهذا تملؤه الرذيلة.. سقطت سهوًا، جهلًا بقيمتها وحمقًا من هؤلاء المرذولين، جميعنا مرذولون، فالجهل رذيلة، ونحن لا نعرف أبدًا لا نعرف، ولا ندرك حقًا ما مدى الفرق الهائل بيننا وبين الحيوانات، هل تتذكّر يا صديقي تلك القطة الصغيرة في الزقاق الأخير من شارعنا الواسع؟ تلك التي كنت تعتني بها دومًا وقت إنتظارك لي؟ إنها تفتقدك مثلي أيضًا، تموء لائمة إياني " لم لم تحضره معك هذه المرة أيضًا؟ أو على الأقل تذهب معه ولا تذكرني به؟ " .. هي حتمًا تدرك لا وجودك، حيث أنها لا تشعر بقربك منها، وحتمًا هذا لا يحفز حسّها، لا تشم رائحتك بي، ولا هيئتي تدل عليك، ولكنها تهرب من الجميع حتى أنا.. مدركةً مثلنا تمامًا أننا لسنا أنت ولكنها تموء لي متسائلة وهي مختبئة لأنها تعرف أني أرافقك دومًا ولكنّي قد لا أكون مسالم مثلك، فهي مثلنا لا تعرف كل شيء !
إنها تدرك ما حولها وتعرف وتخلق لنفسها نظام حياة كما نخلق أنظمتنا وسلطتنا ونمارسها على حياتنا رغبة منّا أو مجبرين على ذلك.. إنها تعتاد، تشعر، تفتقد وتؤذي كما لو أنها فرد منّا يقبل ويرفض !
هل يجب عليّ أيضًا أن أذكّرك بتلك الحروب والإنتفاضات والثورات بشجاعتنا وخوفنا كما لو أننا نعيش في غابة كحيوانات صغيرة وكبيرة، ضعيفة وقوية، محاولين معرفة من منّا القوي؟ ومن منّا الضعيف؟ وهل ذلك حقًا سيكون بهدف مساواتنا أم بهدف التسلط؟.. إننا لا نعرف حقًا ما مدى الفرق بيننا وبينها، فمنذ مطلع القرن العشرون والعلم يدمج بيننا وبينهم ويحاول جاهدًا إثبات أننا حيوانات، ناطقة و متطورة، ودون العلم نرى بعض فضائلنا متجسدة في الحيوانات، وننسبها لها ونقول هذا مخلص ككلب، وهذا أليف كقطة وتلك مجتهدة كدودة... بينما كان أجدر بنا أن نبحث عنها بعقولنا كفكرة لا بطبيعة ستنتهي !

إننا يا صديقي ما زلنا ندفع الفضائل عنّا ونبحث في أصولها ونرذل ونحقّر أنفسنا، بينما هي فينا، ونحيا على هذه الأسس بإهمالها.. فالحروب رذيلة، وحيواتنا مرذولة بلا إنسانيتنا، طمعنا وجشعنا، إدراكنا اللا صحيح وبتحديد فكرنا اللا محدود !
الفضائل يا صديقي مدفونة تحت الرذائل ولكنّنا كسولين جدًا، فنلتقطها عوضًا عن إلتقاط الفضيلة، فتعقّلنا وتحكّمنا وأحقيّتنا هي وحدها الطريقة التي تجعلنا منّا نحفر بين هذه الرذائل لنلتقط الفضيلة . كما لو أننا نحصل على السلام بعد حرب ومعركة طويلة.. كم هو شاق أن نحفر عميقًا، وكم هو مؤلم أن نجد كنزًا يُداس، والسبب الوحيد لذلك؛ هو أنّ لا أحد يعلم بوجوده.. يااه كم هو البحث مجدي والمعرفة مفيدة وكم أخشى أن يسكت من يجد هذا الكنز، طمعًا .
واستنادًا لمعرفتي بالفضيلة فإن كل رذائلنا الآن صارت فضيلة فهي تحسن من عيش الفرد بطريقة ما بإستثناء كونها لا أخلاقية .


**

ما شأنك الآن بنا يا صديقي، لأحكي لك عن رذائلنا وأدعي لك المعرفة بما أجهله. إنك الآن حتمًا تدرك وتعرف الكثير عمّا لا نعرفه هناك في السرمدية التي لا نصل إليها في حياتنا هذه القصيرة، المتقزّمة والمتأزمة، وسأحتفظ بهذه الورقة كي لا أعكّر طهر وصفو ترابك بقذارة حقيقتنا وأفسد صمتك وذهابك بضوضاء وجودنا وبقائنا، ولن أدفنها معك، بل سأكتب رسالة أخرى أخبرك بها بأني لم أتغيّر وأنطوي على نفسي كثيرًا وأدفنها وأنا على دراية ومعرفة تامة بأنك لن تقرأها ولكن هذا سيريح ضميري كثيرًا .