أمام المرآة.. أمام تنقلات عيناه وحيرتهما.. أمام ريبتهما وحيث تبدو علامات الدهشة على محيّاه.. في تقاسيم وجهه ونظراته.. أمام وجهي الذي يحدق كثيرًا بي متسائلًا " كيف سأبدو غدًا أو بعد غد.. الأسبوع القادم، الشهر التالي أو في رأس السنة الجديدة ! " .. أنا لا أجيبه ليس لكوني جاهلًا بكيف سيبدو وحسب، بل لأني أجهل من الحقيقي بيننا، من الذي يفكّر، يأمر ويتحرّك.. أقف وحسب، أقف بإنتظار حركاته، لأقدم ما يتوجب عليّ فعله من تقليد ومحاكاة لتحرّكاته .
يلقي نظرة على رأسي وألقي نظرة على رأسه، كيف يبدو هو بهذا الشعر المنكوش أو كيف أبدو أنا بهذا المنظر، لا يهُم.. المهم كيف لنا أن نحل الخلاف الذي توالد منّا ليخلق منّا فزّاعة بشعر منكوش؟ كيف لنا أن نسوّي هذا الأمر ونعقد هدنة مع شعرنا ونعتني به؟
- كالعادة يا عزيزي، أمام المرآة ولم تسرّح شعرك بعد، كما أنك لن تفعل أيضًا كالعادة .
- في الحقيقة أنا لست قادرًا على تسوية خلافنا، لست قادرًا على مصالحة النزاع هذا.. رغم حبّ شعري لي وحبّي له، لم نتصالح بعد، في الحقيقة لست أعلم سبب خلافنا مع بعضنا البعض، لست أدرك متى سأعيد علاقتي معه وأبدأ بالإعتناء به، أخشى رحيله، أخشى أن يذهب دون عودة.. حينها سيلوموني وجهي.. وجهي هذا الذي يحدق بي، سيسخر منّي كثيرًا.. سيجعلني أتحسر كثيرًا على الأوقات التي قضيتها وأنا أعتني بهذا الخائن، الجاحد لفضل إعتنائي به .
*تبتسم* - حسنًا، أنت تحبه لأنك تخشى كثيرًا أن يرحل، ولكن ما السبب الذي يجعلك مُتأكدًا من حبّه لك ؟
- كل هذه السنوات من أهمالي له، ما زال متشبثًا برأسي، يعانقه، يمنحه الدفء وتريدين منّي أن لا أعرف مدى حبّه لي.. وبالرغم من هذا، لست متأكدًا من حبّي له، في الحقيقة كوننا خائفين من رحيل شيء ما ليس سببًا كافيًا لنقول بأنّنا نحبّه .
- كيف ذلك ؟
- قد نكُون إنتهازيين، جشعين، نبحث عن مصلحة من خلف الشيء لنخشى رحيله، فأنا لدي سبب آخر يجعلني أخشى رحيله.. فأنا لا أحب أن أبدو أصلعًا كالمثقفين أو أن أكون مثقفًا حتّى .
- وما سبب صلع المثقفين برأيك ؟
- ربّما من ردة فعلهم.. من شد رؤوسهم لبلاهة البشر وحمقهم، فمع زيادة وعيهم يدركون مدى سخف البشر .
- وهل ردة الفعل هي ما تجعلك تبغض أن تكون مُثقفًا ؟
- لا، ولكنّ خشيتي من خيانتك لي هي السبب !
- أنا ؟
- نعم أنتِ .
- كيف لي أن أخونك، كيف ذلك ؟
- لا أريد أن أبدو مُثقفًا، أصلع تكرهه الإناث.. الإناث جزء من الجمال، يحببن الجمال والتجمّل، يحببن التجديد والموضة، ولا يقبلن بفتى بشع.. قد تحبّيني حتى يرحل شعري، حتّى يسقط وتكرهين النظر إلي، النظر إلى هذا الفتى الأصلع، وبطبع الأنثى، حنونة، لا تحب جرح المشاعر فلا تبدي كرهها لنا.. ولكن حتمًا ستخون دون أن تُشعرنا بذلك !
- وما علاقة ذلك بالمثقفين ؟
- المثقفون أذكياء وبطبعهم هذا سيكتشفون الخيانة من السلوك والطِباع التي تخفى على بقية الحمقى وسيبقون مُتألمين طوال حياتهم .
- حسنًا، قد لا يسقط شعرك، قد تكُون مثقفًا بشعر ناعم وتصفيفة أنيقة.. أنت لا تعلم ما الذي سيحدث أيضًا بمظهرك !
- ما زلت لا أريد أن أكون مثقفًا أيضًا حتّى بشعر كهذا .
- ولم ؟
- الأنثى أيضًا تحب التجديد وستقوم بالخيانة، ستقوم الأنثى بالخيانة، في كلا الحالتين.. إن ما أخشاه هو أن المثقفين بطبيعتهم، وحدهم من يكتشفون هذا الأمر مُبكرًا وأنا لا أريد أن أراكِ بصورة كهذه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق